سيد محمد طنطاوي

299

التفسير الوسيط للقرآن الكريم

أما بعد هذا العهد ، بل وقبل هذا العهد ، فقد كانت حياتهم سلسلة من المآسي والنكبات . . فبعد موت سليمان - عليه السلام - سنة 975 ق . م تقريبا ، انقسمت مملكتهم إلى قسمين : مملكة يهوذا في الجنوب ، ومملكة إسرائيل في الشمال ، واستمرتا في صراع ونزاع حتى قضى الآشوريون سنة 721 ق . م على مملكة إسرائيل ، وقضى « بختنصر » على مملكة يهوذا سنة 588 ق . م . 4 - ذكر بعض المفسرين أن العباد الذين سلطهم اللَّه عليهم بعد إفسادهم الأول هم جالوت وجنوده . أخرج ابن جرير وابن أبي حاتم عن ابن عباس في قوله : * ( فَإِذا جاءَ وَعْدُ أُولاهُما بَعَثْنا عَلَيْكُمْ عِباداً لَنا أُولِي بَأْسٍ شَدِيدٍ ) * قال : بعث اللَّه عليهم في الأولى جالوت ، فجاس خلال ديارهم ، فسألوا اللَّه - تعالى - أن يبعث لهم ملكا ، فبعث لهم طالوت ، فقاتلوا جالوت ، وانتصروا عليه ، وقتل داود جالوت ، ورجع إلى بني إسرائيل ملكهم . فلما أفسدوا بعث اللَّه عليهم في المرة الآخرة « بختنصر » فخرب المساجد ، وتبر ما علوا تتبيرا . . « 1 » . هذه بعض الأدلة التي تجعلنا نرجح أن المراد بالعباد الذين سلطهم اللَّه - تعالى - على بني إسرائيل بعد إفسادهم الأول في الأرض ، هم جالوت وجنوده . أما العباد الذين سلطهم اللَّه عليهم بعد إفسادهم الثاني ، فيرى كثير من المفسرين أنهم « بختنصر » وجنوده . وهذا الرأي ليس ببعيد عن الصواب ، لما ذكرنا قبل ذلك من تنكيله بهم ، وسوقهم أسارى إلى بابل سنة 588 ق . م . إلا أننا نؤثر على هذا الرأي ، أن يكون المسلط عليهم بعد إفسادهم الثاني ، هم الرومان بقيادة زعيمهم ، تيطس سنة 70 م . لأمور من أهمها : . 1 - أن الذي يتتبع التاريخ يرى أن رذائل بني إسرائيل في الفترة التي سبقت تنكيل « تبطس » بهم ، أشد وأكبر من الرذائل التي سبقت إذلال « بختنصر » لهم . فهم - على سبيل المثال - قبيل بطش الرومان بهم ، كانوا قد قتلوا من أنبياء اللَّه زكريا ويحيى - عليهما السلام - ، وكانوا قد حاولوا قتل عيسى - عليه السلام - ولكن اللَّه - تعالى - نجاه من شرورهم .

--> ( 1 ) تفسير الدر المنثور للسيوطي ج 4 ص 163 .